القاضي التنوخي

40

الفرج بعد الشدة

عرفوك بذلك ، فإذا عقلك وكلامك يشبه كلام العوام وعقلهم ، فاللّه المستعان . أمّا قولك في أمير المؤمنين ، وإزعاجه لي من داري ، وإخراجه إيّاي إلى بابه على هذه الصّورة ، فأنا على ثقة باللّه عزّ وجلّ ، الّذي بيده ناصية أمير المؤمنين ، فلا يملك معه لنفسه ، ولا لغيره ، ضرّا ولا نفعا ، إلّا بإذن اللّه ومشيئته ، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه ، وبعد ، فإذا عرف أمير المؤمنين أمري ، وعلم سلامة جانبي ، وصلاح ناحيتي ، وأنّ الأعداء والحسدة ، رموني عنده بما لست في طريقه ، وتقوّلوا عليّ الأباطيل الكاذبة ، لم يستحلّ دمي ، وتحرّج من أذاي وإزعاجي ، فردّني مكرّما ، أو أقامني ببابه معظّما ، وإن كان سبق في قضاء اللّه تعالى ، أنّه يبدر إليّ ببادرة سوء ، وقد حضر أجلي ، وحان سفك دمي على يده ، فلو اجتهدت الملائكة والأنبياء وأهل السماوات والأرض ، على صرف ذلك عنّي ، ما استطاعوا ، فلم أتعجّل الهمّ ، وأتسلّف الفكرة والغمّ ، فيما قد فرغ اللّه منه ، وأنا حسن الظنّ باللّه الّذي خلق ورزق ، وأحيا وأمات [ وفطر وجبل ، وأحسن وأجمل ، وأين الصّبر والرّضا ، والتفويض والتّسليم إلى من يملك الدّنيا والآخرة ] 10 وكنت أحسب أنّك تعرف هذا ، فإذ قد عرفت مبلغ فهمك ، فإنّي لا أكلّمك بكلمة ، حتّى تفرّق بيننا حضرة أمير المؤمنين . ثمّ أعرض عنّي ، فما سمعت له لفظة بغير القرآن والتسبيح ، أو طلب ماء أو حاجة تجري مجراه ، حتّى شارفنا الكوفة في اليوم الثّالث عشر بعد الظّهر ، فإذا النّجب « 11 » قد استقبلتنا على فراسخ « 12 » من الكوفة ، يتجسّسون خبري .

--> ( 11 ) النجب : جمع نجيب ، من النجابة ، والبعير النجيب : هو الكريم العتيق . ( 12 ) الفرسخ : في اللّغة : السكون ، وأطلق الاسم على مسافة معيّنة ، لأنّ من سار تلك المسافة قعد واستراح ، فكأنّه سكن ، وجاء في الغيث المسجم 2 / 123 : أنّ الفرسخ : ثلاثة أميال ، والميل : ألف باع ، والباع : أربعة أذرع ، والذراع : أربعة وعشرون إصبعا ، والإصبع : ستّ شعيرات ، والشعيرة : ستّ شعرات من ذنب بغل ، وأنّ البريد : أربعة فراسخ .